فخر الدين الرازي

211

القضاء والقدر

العبد قد يمنع كثيرا مما أعطى اللّه ، وقد يعطى كثيرا مما منع اللّه منه . وهو خلاف الحديث . الحجة السادسة والعشرون : عن معاذ بن جبل أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « ألا أعلمك كلمات تقولهن ؟ اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك » « 1 » وجه الاستدلال : أن هذه الإعانة . إن كان المراد منها الإقدار والتمكين وإزاحة الأعذار ، فالكل قد جعله اللّه ، فلا فائدة في طلبه بالدعاء . وإن كان المراد شيئا آخر . فهو المطلوب . الحجة السابعة والعشرون : عن معاذ بن جبل أنه قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : أخبرني بعمل يدخلني الجنة . فقال : « إنه ليسير على من يسره اللّه عليه » « 2 » وجه الاستدلال : أن النص دل على أن التيسير الصادر من اللّه تعالى ، يلزمه اليسر في العمل ، وحيث لا يحصل اليسر في العمل ، علمنا : أنه لم يحصل التيسير من اللّه . استدلالا بعدم اللازم لعدم الملزوم . ثم إن التيسير بمعنى الإقدار وخلق العقل وإزاحة الأعذار : حاصل للكل ، فوجب أن يكون المراد بهذا التيسير المذكور هاهنا : شيء آخر . وذلك بخلق الدواعي إلى الطاعات ، وخلق الصوارف عن أضدادها . وهو المطلوب . الحجة الثامنة والعشرون : الخبر المشهور عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . أنه قال : « ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن . إن شاء أن يقيمه أقامه ، وإن شاء أن يزيغه أزاغه » وكان يقول : « يا مقلب القلوب . ثبت قلبي على دينك » - « والميزان بيد الرحمن يرفع ويخفض » « 3 » وعن جابر بن عبد اللّه قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كثيرا ما يقول : « يا مقلب القلوب ، ثبت قلبي على دينك ، فقيل له يا رسول اللّه : أتخاف علينا ، وقد آمنا بك ، وبما جئت به ؟ فقال : « إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها هكذا » وأشار إلى السبابة والوسطى ، يحركهما « 4 » .

--> معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد » . ( أنظر جامع الأصول لابن الأثير ( 4 / 199 و 215 ) . ( 1 ) حديث معاذ رضي اللّه عنه رواه أبو داود في الوتر باب في الاستغفار ( 2 / 87 رقم 1522 ) والنسائي في السهو باب نوع آخر من الدعاء ( 3 / 53 ) وأحمد ( 5 / 245 و 247 ) والحاكم ( 1 / 273 ) وابن حبان ( موارد الظمآن ص 583 رقم 2345 ) . ( 2 ) حديث معاذ رضي اللّه عنه رواه بطوله الترمذي في الإيمان باب ما جاء في حرمة الصلاة ( 5 / 11 رقم 2616 ) وقال : هذا حديث حسن صحيح . وابن ماجة في سننه كتاب الفتن باب كف اللسان في الفتنة ( 2 / 1314 رقم 3973 ) ، وأحمد ( 5 / 231 و 237 ) ؛ والحاكم ( 2 / 413 ) ، والبيهقي والطبراني ( أنظر الفتح الكبير 3 / 18 - 19 ) . ( 3 ) رواه ابن ماجة في سننه ، في المقدمة باب فيما أنكرت الجهمية ( 1 / 72 رقم 199 ) عن النواس بن سمعان رضي اللّه عنه . وأحمد ( 4 / 182 ) . والحاكم ( 2 / 289 و 1 / 525 و 4 / 321 ) كلاهما عنه به . « وقد خرجه النسائي في الكبرى عن عائشة . وقال الحافظ العراقي وسنده جيد » ( فيض القدير 5 / 493 ) . أما الحاكم فقد صححه وأقره الحافظ الذهبي . وروى نحوه مع تقديم وتأخير الطبراني والبزار عن نعيم بن همار الغطفاني رضي اللّه عنه ( مجمع الزوائد 7 / 214 والفتح الكبير 3 / 259 ) . ( 4 ) حديث جابر هذا رواه الحاكم ( 2 / 288 ) وروى مسلم في صحيحه عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرّفه حيث يشاء » ثم قال -